سيد محمد طنطاوي

525

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال الإمام الرازي : اعلم أن المقصود : اضرب لهم مثلا آخر يدل على حقارة الدنيا ، وقلة بقائها . والكلام متصل بما تقدم من قصة المشركين المتكبرين على فقراء المؤمنين . . » « 1 » . والمعنى . واذكر لهم - أيها الرسول الكريم - ما يشبه هذه الحياة الدنيا في حسنها ونضارتها ، ثم في سرعة زوال هذا الحسن والنضارة ، لكي لا يركنوا إليها ، ولا يجعلوها أكبر همهم ، ومنتهى آمالهم . وقوله : * ( كَماءٍ أَنْزَلْناه مِنَ السَّماءِ . . ) * بيان للمثل الذي شبه اللَّه - تعالى - به الحياة الدنيا أي : مثلها في ازدهارها ثم في زوال هذا الازدهار ، كهيئة أو كصفة ماء أنزلناه بقدرتنا من السماء ، في الوقت الذي نريد إنزاله فيه . * ( فَاخْتَلَطَ بِه نَباتُ الأَرْضِ ) * والاختلاط والخلط : امتزاج شيئين فأكثر بعضهما ببعض . أي : كماء أنزلناه من السماء ، فاختلط وامتزج بهذا الماء نبات الأرض ، فارتوى منه ، وصار قويا بهيجا يعجب الناظرين إليه . وفي التعبير بقوله : * ( فَاخْتَلَطَ بِه نَباتُ الأَرْضِ ) * دون قوله : فاختلط بنبات الأرض إشارة إلى كثرة الماء النازل من السماء ، وإلى أنه السبب الأساسي في ظهور هذا النبات ، وفي بلوغه قوته ونضارته . وقوله : * ( فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوه الرِّياحُ ) * بيان لما صار إليه هذا النبات من يبوسته وتفتته ، بعد اخضراره وشدته وحسنه . قال القرطبي ما ملخصه : « هشيما » أي متكسرا متفتتا ، يعنى بانقطاع الماء عنه ، فحذف ذلك إيجازا لدلالة الكلام عليه ، والهشم ، كسر الشيء اليابس . والهشيم من النبات : اليابس المتكسر . . ورجل هشيم : ضعيف البدن . و « تذروه الرياح » أي تفرقه وتنسفه . . يقال : ذرت الريح الشيء تذروه ذروا ، إذا طارت به وأذهبته » « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 21 ص 130 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 413 .